رد الاعتبار للكتاب

رد الاعتبار للكتاب

  • 27
  • 2024/02/21 09:48:23 م
  • 0

د.كريم شغيدل

أسرع شيء تعلمته في حياتي هو القراءة، وتدريجياً أصبحت لي علاقة حسية مع الكتاب، يعجبني أن أشم رائحة الورق، أقلبه، أتلمس حروفه، أتذوقه أيضاً حين أبلل إبهامي لأقلب الصفحات، يعجبني أحياناً ان أمرر سبابتي على الأسطر لتسريع القراءة،

أمتع نظري بجمال الحروف، تربكني بعض العبارات الغامضة، أنفعل، أتأمل، أعيد العبارة، أو السطر أو الصفحة، أندهش، أنبهر، أحزن، أضحك، أستنكر، أحاور، وكأنني أمام كائن حي، أمام الشاعر أو الكاتب أو السارد أو المفكر أو الشخصيات التي تجسد العمل الأدبي، أتوسده أحياناً حين يأخذني النعاس، أو أحضنه وأغفو، وحتى هذه اللحظة لا أجيد أو لا أستمتع بقراءة الكتب الإلكترونية، لا أنكر فوائدها إن لم تتوفر نسخة ورقية من كتاب معين نحتاجه، تنافس غير منصف بين الكتاب الورقي ووسائل التواصل والمكتبات الإلكترونية والذكاء الصناعي، بضغطة زر تحصل على نسخة(PDF) من أي كتاب، لكن هل ذلك يغني عن الكتاب الورقي وما يشكله من إرث ثقافي وعلامة حضارية وعلاقة حسية مع القارئ.

الناس، لا سيما فئة الشباب تميل إلى الفضاءات الكرنفالية، ومعارض الكتب باتت تشكل فضاء احتفالياً جاذباً، إذ تضع الكتاب بمتناول الجميع، وتضع القارئ بمواجهة المؤلف، وتشعره بأهميته وهو يحاور الكاتب أو يلتقط صورة معه أو يحصل على توقيعه، ربما لم ننجح بعد بصناعة المؤلف النجم، كاتباً أم شاعراً أو مفكراً، لكن هذه الفضاءات ممكن أن تحقق ولو شيئاً يسيراً من النجومية، عالم الكتب يبدو عالماً غامضاً ومعقداً بالنسبة للقارئ البسيط، ينبغي أن نحفزه، وننفتح عليه بشتى وسائل الترغيب، ربما نحتاج إلى مساحة أوسع وانفتاح أكبر على دور النشر وتسهيل الإجراءات التي يعاني منها الناشرون.

الفعاليات المصاحبة للمعرض ضرورية وتحتاج جهوداً مضاعفة لتنظيمها وتفعيل دورها، وإشراك شخصيات أدبية وفكرية وثقافية عربية وعالمية مؤثرة، حفلات توقيع الكتب ما تزال تعتمد على الجهود الفردية للمؤلفين، من دون ترويج أو إسهام حقيقي في إنجاحها، ومع ذلك يبقى المعرض تظاهرة ثقافية مهمة وتبقى مؤسسة المدى سباقة في التأسيس الثقافي لما بعد 2003، إذ نجحت في العديد من الفعاليات الثقافية بعيداً عن نمطية ما تقدمه المؤسسات الأخرى الحكومية وغير الحكومية من نشاطات ومهرجانات تنفق عليها الدولة أموالاً طائلة، وقد أعادت عبر معارضها في بغداد وأربيل ومطبوعاتها النوعية الاعتبار للكتاب الورقي، وهذا ما تسعى إليه جميع معارض الكتب في العالم.

يشهد العراق اليوم تحولات خطيرة في الوعي، كما يشهد تنامياً ثقافياً تحت سقف الحرية الهش والمهدد بالانهيار ما لم نتمسك بأعمدته ونسند دعائمه، ثمة جيل جديد نشأ على ثقافة النقد والاحتجاج والتفكير الحر، جيل يحاول جاهداً إعادة قراءة الثوابت ونسف ما تهرأ منها والتأسيس لثقافة جديدة منفلتة مما هو سائد وراكد ومنقطع عن سيرورة العالم، علينا أن نقترب من وعيهم، بعد أن فشلنا نحن الآباء في تأسيس فضاء ملائم لتطلعاتهم، ونهتم بما يفكرون به من خلال إشراكهم بهكذا فعاليات ومنحهم فرصاً للحوار والنشر والاحتفاء بهم بدلاً من تكرار بعض الوجوه التقليدية المستهلكة التي لا تجيد سوى التسلل إلى المحافل الثقافية بطرق عجيبة عن طريق بعض المؤسسات، وهي لا تمتلك أيما منجز يؤهلها أو يشكل سماتها المميزة، مطالبون أيضاً بفحص طبيعة المستهلك الثقافي من خلال إحصاءات المبيعات، ميوله الفكرية والأيديولوجية والثقافية والنفسية، والسعي بجدية لجعل الكتاب الورقي منافساً حقيقياً لانتشال النشء الجديد من استهلاكية السوشل ميديا التي نجحت في صناعة أجيال خارج فضاءات الثقافة والوعي، والحديث يطول ويتشعب وليس أمامنا سوى أن نحث جميع مؤسسات الدولة والمجتمع على دعم هكذا فعاليات حقيقية تسهم بصناعة ثقافة المجمتع العراقي، وذلك عن طريق إنشاء مكتبات تمول مما يرصد للبحث والتطوير ضمن موازنات مؤسسات الدولة، وتوسعة مكتبات الكليات والجامعات، وهذا سيشكل دعماً حقيقياً لدور النشر، ومن ثم دعم المعرض واتساع حجمه وفعالياته.

أعلى