لماذا نقرأ الأدب؟

لماذا نقرأ الأدب؟

  • 25
  • 2024/02/23 12:06:38 ص
  • 0

حيدر المحسن

- 8 -

قرأتُ كتاب "الأيام" لطه حسين ثلاث مرّات، وأعدتُ قراءته هذه الأيّام، وزاد مفعول السّحر عن السابق لأسباب ليس آخرها أن أديبنا لم يكن إنسانا اعتياديّا، بل هو شخصيّة كأنما خرجت من بطون القصص: طفلٌ فقيرٌ أعمى يتعلّم في الكتاتيب، ويشبّ وينجح في الدراسة. سافر إلى السوربون ونال شهادة عليا، والحرب العالميّة الأولى قائمة على ساقين.

تزوّج من فتاة فرنسيّة، وعاد بها إلى صعيد مصر لتسير مع أبيه في الشارع شابكةً ذراعه: "قال عمّي لابنه: سأخرج مع زوجتك فلا تنشغل بنا. تناول ذراعي، وقمنا معا بجولة في البلدة. لن يبدو أمرا لشباب اليوم أن يتنزّه شيخ وقور مع امرأة سافرة أجنبيّة ومسيحيّة، وتعتمر القبّعة! لكنه كان كذلك في تلك الحقبة". استقبله الخديوي بحرارة لأنه أولّ مصريّ ينال شهادة الدكتوراه، وأصبح أستاذا في الجامعة، وتمرّ عليه السنين وهو فرحٌ للغاية لأن طلّابه كانوا "يعضّون على الأدب الإغريقي، وتلك ثورة في التعليم، كما يُنظر لها آنذاك". قاد هذا الشابّ الكفيف موجة الحداثة التي سوف تغيّر الثقافة في الأوطان التي تتكلّم العربيّة، وعُيّنَ وزيرا ودخل معارك في السياسة وفي الأدب، وانتصر فيها جميعا...

*

نحن نقرأ الأدب وإلّا سيهلك العالم فنحن لا نؤمن بأيّة قوى سحريّة منقذة. سِحرُنا هو عملنا في هذه الحياة الزوّالة، وكلّ ما نقدر عليه أننا نقرأ الأدب، كي نثبت لأنفسنا أولا، وللعالم أيضا، أنّ الحريّة أهمّ عطايا الوجود. عندما تضيع الحرية يضيع الشرف، وعندها تكون الحياة بلا معنى ولا طعم ولا شكل، ويغدو البشر بهائم في قفص، بينما تستحيل البيوت مع الحريّة معابد..

نقرأ الأدب ونحفظَ ديوان أبي نواس عن ظهر قلب. نحن في حالة تكوّن بلا انقطاع، ومن أجل أن نزيل صدأ النفس، ويتحقّق الجيشان الكامل للجسد، يتوجّب علينا قراءة قصائد أبي نؤاس لأنها تؤدّي مهمة تمزيق الشرنقة المحيطة بنا من المهد إلى اللحد، كما أن في مملكة شاعرنا – دع عنكَ ما يقوله في الخمرة والمجون، ويجوز لك مؤقتا أن تدوس عليه وتعبر إلى القصيد الذي فيه دواء مجرّبٌ يُشفي أمراض كساح النفس، وعقمها:

ألا، لا أرى مثلي أمترى اليوم في رسمِ

تفصُّ به عيني ويُنكرُه وهمي

أتت صورَ الأشياءِ بيني وبينه،

فجهلي كلا جهلِ، وعلمي كلا علمِ

النجوم تعرف كلّ شيء، وكذلك الشمس والقمر، ترقبنا من مكانها في السماء وتؤكّد لنا أن الصعوبة الأكبر في الحياة هي الارتقاء إلى مستوى الخزف الصيني الأزرق. عندما تكون قراءتنا للشاعر الأهمّ في تاريخنا فعلا راهنا وغنيّا، نتمكن من اجتياز هذه الصعوبة.

أعلى