لماذا نقرأ الأدب؟

لماذا نقرأ الأدب؟

  • 25
  • 2024/02/23 11:41:03 م
  • 0

حيدر المحسن

- 9 -

التقى صديق لي بجان بول سارتر في السبعينيات، وسأله الفيلسوف الوجودي عن عدد ساعات قراءته في اليوم. يقول صديقي: خجلت من الرجل العبقريّ ورفعتُ العدد إلى رقم 8. انتفض سارتر عندها وصاح به: ثمانيَ ساعات فقط، وأنت في عزّ شبابك،

فكم ساعة تعمل في اليوم حين تبلغ السبعين؟ بعد سنين العِشرة مع اليراع تبيّن لي أن التخلّص من مرارة الواقع يحتاج منّا إلى 10 ساعات على الأقلّ، أما الانقطاع الكامل للفنّ فيلزمه روتين لا ينقطع يستغرق الرقم الأقصى لساعات الخدمة اليوميّة في سيبيريا، وكان يقوم بها المحكومون بالاشغال الشاقة في زمان تشيخوف، وهو 12 ساعة ونصف، كما يخبرنا الكاتب في زيارته إلى جزيرة ساخالين، في كتابه الذي يحمل هذا العنوان.

إن شغف الكتابة ليس عملا فقط، بل هو حاجة ملحّة كالجوع والعطش والحبّ. لنتصوّر أن أحدا يضمأ ويجوع ويستغرق منه تناول الشراب والطعام اثنتي عشرة ساعة ونصف، ويطول لديه فعل الحبّ مثل هذا العدد من الساعات. إنني لا أتّفق مع القائل (وهو ألبير كامو)، واصفا حياته مع صنعة الأدب: "يجب تخيّل سيزيف سعيدا"، فرغم هذا العناء والمشقّة يمكن للأدب أن يحيل أيّ بيت صغير إلى حديقة واسعة حافلة بالورد. ليس ثمة ما يدعو باسترناك أن يعلن في رواية "دكتور جيفاكو" هذه الحقيقة، غير الشغف بالعمل: "الحياة قبل كلّ شيء، عدم الاستسلام للأرق. عدم النوم. العمل طوال الليل حتى الخبل. حتى السقوط جثّة هامدة من التعب، ثم هذا. إشعال النار حالا في غرفة النوم كي يتجنب البرد القارس هذه الليلة". الرغبة المحمومة والمنهومة لإنجاز الفن هي التي تدفع الكاتب إلى العمل في الطقس القارس، بلذّة لا توازيها لذّة، موفرا الحطب إلى ساعات النوم: "كان يكتب أشعارا عن لارا، وكلما يشطب ويعيد الكتابة كانت لارا شعره تبتعد عن لارا الحقيقيّة".

*

سحبٌ نائمةٌ فوقي وأنا جالس في "حديقة الشعب" في مدينة السليمانيّة، والوقت أوّل الفجر. صمتٌ ورياح قليلة حولي، وبين يديّ كتاب. أستطيع أن أقول إني راض عن دوري في الوجود لأني اخترق أعماق الحياة دون ان تحجزني عنها جدران صمّاء عالية، ولأني بعيد كذلك تماما عن الملل البائس في حركة الجموع عندما يصحون بعد ساعة وينتشرون في ألجهات مثل نقاط سود تعكّر صفاء لوحة المدينة، مرسومة بالزيت على الكانفاس.

ثم طلع النهار واندفعت العجلات تقطر في الشوارع، وبدل الوضوح الذي ينشره ضياء الشمس، لفّ الضباب والدخان محيط اللوحة، فأطلقتُ عليها هذا العنوان: "ما بقي من الحلم". الناس نيام فإذا قرأوا صحوا وانتبهوا. نحن نقرأ الأدب لأننا نقارب الأشياء بعد أن نكون قرأناها في كتاب. لا أستطيع أن أنظر الشمس ما لم أطالعها في قصيدة أو أغنية أو لوحة. وكذلك الحال بالنسبة للشجر والمطر والرياح... وأقربُ ما في الوجود إليّ امرأتي. كيف يمكن أن أعيش حبّها ما لم يشهد عليه كتاب؟

أعلى