العراق يحتفل بالكتاب

العراق يحتفل بالكتاب

  • 203
  • 2020/12/09 10:53:58 م
  • 0

 علي حسين

هل يمكن أن نتخيّل عالماً لم يظهر فيه تولستوي أو فكتور هيجو أو صاحب ملحمة دون كيشوت؟، هل يمكن قراءة تاريخ العرب دون التبحر في حكايات الطبري؟، من سيبقى من اسبانيا سنوات فرانكو؟ أم نساء لوركا؟ أحرار علموا البشرية قيمة وأهمية الحياة،

بالأمس وأنا ادخل معرض العراق الدولي للكتاب الذي اقامته مؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون شعرت وكأنني أتجول في عواصم العالم، وخيل إليّ وأنا انظر إلى رفوف الكتب أنني أجوب شوارع روما، أو اقطع المسافات بين بيوت ماكوندو بحثا عن العقيد اورليانو، وان أفلاطون سوف يطل في أي لحظة بردائه الطويل ليقول لي: "لا يمكن زوال تعاسة الدول ما لم يتمتع حكامها بفضيلة التعلم، إن طلب العلم شرط لمن يتقلد زمام الحكم، والسبب هو ما يتميز به الحاكم المتعلم من حكمة وصدق"، وان سيمون دي بوفوار ستخرج من صفحات روايتها "المثقفون" لتعيد على مسامعي درس الحرية الذي قال فيه البير كامو لسارتر ذات ليلة "لا يمكن للإنسان العاقل ان يختار العيش في قفص، إلا إذا أراد أن يربط مصيره بآيديولوجيات ميتة"، فيما سارتر ينظر الى وجه صديقه اللدود الشبيه بوجوه نجوم السينما ليعيد على مسامعه درس المثقف الملتزم: "لا يمكن للمثقف ان يحاكم عصره دون الخوض في أوحاله"، وان امرئ القيس لن يحدثني عن ملك ضاع وإنما عن قلب متيم بالهوى: "أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل"، وان الإمام الفقيه بن حزم سيلقي على دراويش حكومتنا درسا في المحبة: "الحب أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، وليس بمنكور في الشريعة، ولا محظور في الديانات".

انظر إلى الكتب التي غصت بها قاعات المعرض وأسأل رفيقي في رحلة التجوال علاء المفرجي كيف يمكن قراءة كل هذه الكتب؟ وقبل أن ترتسم الدهشة على معالم وجهه أقول له ما قاله فرنسيس يبكون لأحد طلبته "بعض الكتب وجد لكي يذاق وبعضها لكي يبتلع والقليل منها لكي يمضغ ويهضم"، من اجل هذا القليل قادتني قدماي باتجاه مذكرات أندريه مالرو وزير ثقافة ديغول والتي أطلق عليها عنوان "لا مذكرات" أتصفح الكتاب في طبعته الجديدة ليعيدني شريط الزمن الى المرة الأولى التي قرأت فيها كتاب مالرو الذي أراد له ان يكون شهادة على عصر مثير أصر فيه الجنرال ديغول على ان تكرس الثقافة لأقصى حد من اجل إزالة آثار الحرب العالمية الثانية من نفوس الفرنسيين، هذا الجنرال الذي اختلف مع رئيس وزرائه جورج بومبيدو ذات يوم لأن الأخير قال في اجتماع الحكومة "الشعب الفرنسي فوضوي وغير منظم ويحسن بنا ان نقوده"، ليعترض ديغول قائلا "إن كلمة قيادة غير لائقة، لا يمكن ان تقاد الشعوب على أهواء سياسييها".

انظر إلى رفوف الكتب وأعيد السؤال على صاحبي : ترى كيف سيكون شكل العالم لو لم يكتب فيه ديكنز روايته "الآمال العظيمة"، ولم يحول فيه المتنبي الشعر إلى نصوص في الحِكَم، ولم يعلمنا عمر بن أبي ربيعة أن مديح النساء أبقى أثرا من مديح كل الحكام، بماذا تضاهي فرنسا العالم لو لم يقرر ناشر مغامر أن يطبع أزهار بودلير ليجعل الشاعر الفرنسي ندا لشكسبير وغوته وسيرفانتس، ماذا لو لم يأخذنا جويس في رحلة يوليسيس عبر شوارع دبلن، هل يمكن أن نتخيل بريطانيا من دون سؤال هاملت الأزلي: أكون أو لا أكون؟، ماذا يبقى من انقلابات أمريكا اللاتينية غير ذكرى حكايات يوسا، وساماراغو، وايزابيل اللندي ومعلمها ماركيز؟.

تخيل عالما لم يكن فيه ابن سينا وابن خلدون وابن رشد. أعطتنا الكتب الانس والمنفعة في هذه الحياة. وحولت لنا الارض الى قرية واحدة قبل ان يكتشف الامر منظرو العولمة، كتب زودنا أصحابها بالحكمة ومؤرخون حفظوا لنا حكايات التاريخ وعبره، وشعراء صنعوا لنا أحلاما وآمال وعوالم مشرقة، كتب ندين لها بجمال الحياة، لولاها لكنا نرى بغداد مجرد دار للسكنى وليست قصيدة رائعة للمتنبي ونرى العيون الجميلة ولا ندرك أنها تقتلننا لأن في طرفها حورا، ونغرق في كهوف الظلام، ولا ندري أن ابن خلدون قال قبل ألف عام "كلما اوغلت الامم بالبداوة، كانت ابعد ما تكون عن الحرية".. مبروك للعراق عرسه الثقافي عسى ان يدرك العالم اننا بلد الكتابة والقراءة والتسامح، ولسنا بلاد الاغتيالات والتفرقة والطائفية.

أعلى