شيوع الأدب التجاري بين غياب الرقابة وانحدار معايير النشر

شيوع الأدب التجاري بين غياب الرقابة وانحدار معايير النشر

  • 118
  • 2020/12/19 11:37:51 م
  • 0

 بغداد/ علي رياض

 عدسة/ محمود رؤوف

بعد الثورة الصناعية التي شهدتها أوروبا، ورغم اندلاع حربين عالميين واختلاف موازين القوى من التعددية القطبية إلى القطبية الثنائية وصولا إلى لحظتنا الحالية، قد يصلح القول إن التغيير الجوهري الأكبر خلال هذين القرنين هو ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وهيمنتها على صناعة الرأي العام والخطاب السياسي والثقافي، وقبل كل ذلك هيمنتها على الإعلام.

وأنتج هذا التغيير وهذه الهيمنة ما يعرف بثقافة الـ ""take away، أو الوجبات السريعة، التي كان أحد وجوهها الانتقال من التفصيلي إلى العمومي، واستبدال القيمة الفنية أو الجمالية بالقيمة التجارية، ما صيّر كل ما على وجه البسيطة مادة للتسليع.

وتماشياً مع هذه التغييرات، كان من النتائج في الساحة الثقافية العراقية شيوع أو سطوة كتب الأدب التجاري على سوق المطبوعات الحديثة، لجذبها أعداداً كبيرة من القراء الشباب وبيعها آلافاً من النسخ. 

المدى حاورت عدداً من القراء والكتبيين الحاضرين في معرض العراق الدولي للكتاب، لمعرفة آرائهم بهذا الخصوص، ومناقشة المسببات والنتائج، معهم.

انحدار المعايير 

مدير دار التكوين السورية للطباعة والنشر والشاعر سامي أحمد، وصف شيوع الأدب التجاري في سوق الكتب بـ"أزمة التعويم الثقافي العربي" وعزا هذا الشيوع إلى دور النشر ومعاييرها، مبيناً أن "الكثير من دور النشر العربية لا تتخذ في عملها منحى ثقافياً".

وأضاف أحمد أن "من الطبيعي أن تكون هناك مطبوعات رابحة وأخرى خاسرة أو ذات ربح أقل، والسعي وراء الربح لا يبرر إنحدار المعايير لأغراض ربحية".

ورداً على سؤال حرية النشر على نفقة الكاتب مهما كانت الجودة، أجاب "أنا لا أطبع على نفقة الكتاب، من حق الجميع أن يطبعوا كتبهم، لكن هذا لا يصلح معي في الدار".

غياب الرقاب الفنية 

ولا يتفق الكاتب والكتبي علي قاسم ياسر مع تحميل دور النشر مسؤولية شيوع الأدب التجاري، قائلاً "دور النشر تتبع ذائقة عامة الناس، والأخيرة تأثرت سلباً بالسوشيال ميديا، لذا أصبحت هناك حاجة وجودية لبيع وطباعة الكتب الرابحة".لكنه يستدرك بقوله "عمل النشر كان محصوراً في السابق بمختصين وقراء نهمين محبين للكتب وعارفين بقيمتها، يمنحون المطبوعات قدراً معيناً من الاحترام، ويدافعون عن الذائقة ولو على حساب المادة، لكن اليوم أصبحت مهنة النشر مهنة عامة يمارسها الجميع لأغراض ربحية فقط".

ويضيف "أنا أعمل كتبياً منذ ثلاثين عاماً، الرقابة السياسية والعقائدية على عمل النشر والطباعة كانت سيئة للغاية، سواء في العراق أو المنطقة العربية، لكن ثمة حاجة ماسة اليوم للرقابة الفنية، لأن الأمر خرج عن حده كثيراً"، مشيراً إلى أن "من يطبع اليوم كتاباً بغلاف مخل للأدب لن يجد سلطة تمنعه، كما لا سلطة تمنع طباعة كتاب يسيء شخصيا لأحد ما أو يطعن به خارج حدود النقد الأدبي". 

وبهذا الخصوص يتفق القارئ صادق الريكان مع ضرورة استحداث رقابة فنية لوضع معايير تبين الحد الأدنى من المستوى الفني للكتاب المطبوع في مجال الأدب.

لكنه يستدرك قائلاً "رغم أني لا أقرأ الأدب التجاري، لكن طباعته تندرج ضمن سقف الحريات، ولا يضيرني أو يزعجني شيوعه".

ويضيف "هذا الأمر نتيجة طبيعية لهيمنة التجارة على العالم في كل الأصعدة، وهو جزء من مخرجات الرأسمالية والعولمة، كما أن دور النشر لها مسؤولية كبيرة في هذا الجانب".

غياب وسائل الإعلام

من جانب آخر، ترى الشاعرة إيناس فيليب أن "غياب الدور الترويجي للأدب الرصين من قبل وسائل الإعلام هو سبب رئيس بانحدار الذائقة".

وتضيف فيليب "اتبعت وسائل الإعلام في برامجها الثقافية تريند السوشيال ميديا بدلاً من محاولة صنعه أو تسييره، كونها طريقة أسهل لكسب الإعلانات التجارية التي تدر ربحاً للقنوات".

وتعتقد أن شهرة كتّاب الخواطر على حساب كتاب الأدب سيما الشعراء منهم، هي مسؤولية مشتركة بين غياب الإعداد الثقافي في وسائل الإعلام والعقلية المادية لدور النشر.

أعلى