أشتات كتبية

أشتات كتبية

  • 71
  • 2021/12/09 11:04:57 م
  • 0

 رفعة عبد الرزاق محمد

ــ 1 ــ

هذه أشتات مجتمعات، تعنى بأحوال الكتب والمكتبات والكتّاب، واغلبها من الطريف المطوي، وأقلها مما شاع بين الناس، وبعضها مما سمعناه من العارفين والأفاضل، او مما نقلناه من الاوراق المخطوطة أو الشاردة. سجلنا هذه الاشتات لنزفها الى القارئ الكريم لما فيها من عبر وذكريات ماضية. ولعل في تقييد مثل هذه في مدونات فوائد لا تخفى، ورحم الله من قال (وقيل انه الامام الشافعي):

العلم صيـــــــد والكناية قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة ان تصيد غزالة وتردها بين الخلائق طالقة

ومن اجمل ما وقعت عليه لبيان فضائل القراءة، ما قاله الاستاذ عباس محمود العقاد: لست اهوى القراءة لأكتب ولا اهوى القراءة لازداد عمرا في تقدير الحساب، انما اهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني اكثر من حياة واحدة، لانها تزيد من عمق هذه الحياة. وفكرتك انت فكرة واحدة، وشعورك شعور واحد، وخيالك انت خيال فرد اذا قصرته عليك.. لكنك اذا لاقيت بفكرتك فكرة اخرى او لاقيت بخيالك خيال غيرك فستصبح فكرتك بهذا التلاقي مئات من الافكار في القوة والعمق والامتداد.

والكاتب العربي الكبير ابراهيم عبد القادر المازني ذكر في احد كتبه التي تحمل أسماء طريفة مثل (حصاد الهشيم) او (خيط العنكبوت) او (قبض الريح) وسواها ان الكاتب المكثر، ربما يكون قارئا مكثرا، وحاله كحال سيارة رش الماء في الشوارع، فما ان تمتلئ حتى تفرغ ماءها برش الشارع، ولعله يعني ان الكتابة للكاتب متنفس له اذا كان قارئا..

أول عهدي بسوق الكتب ببغداد

إن اول عهدي بالمنطقة التي تضم سوق السراي وشارع المتنبي وانحائها من القشلة والمحاكم المدنية وسواها، يعود وانا لم ازل صغيرا في المدرسة الابتدائية، اذ كان احد اخوالي يعمل رساما لخرائط الدور، وكانت مكاتب هؤلاء الرسامين قريبة من امانة العاصمة التي كانت تقع قبالة الباب الكبيرة للقشلة، وكانت المنطقة تسمى جديد حسن باشا. إذ كنت في أيام العطلة المدرسية الصيفية وانا في المرحلة الدراسية الابتدائية، ارافق خالي يوميا للتدريب على العمل وانا لم ازل غضا، كما كان جدي لأمي موظفا في ديوان امانة العاصمة، ولم تزل غرفته قائمة الى يومنا في بناية الامانة التي هجرت منذ اواخر الخمسينيات ثم اصبحت مخازن تجارية.

كنا نعبر جسر الشهداء مشيا، إذ كانت بيوتنا في منطقة الكرخ القديمة لا تبعد كثيرا عن ذلك الجسر العتيق، ثم ندلف الى سوق السراي المنتهي بدخولنا شارع المتنبي، وقد عرفت فيما بعد ان السوق سميت بالسراي لقربها من سراي الحكومة او القشلة التي شيدت بعد منتصف القرن التاسع عشر بسنوات قليلة.

اتذكر جيدا عند دخولي سوق السراي في منتصف ستينيات القرن المنصرم واواخرها، انها كانت تضم عددا من المكتبات التي بقيت في السوق ولم تخرج الى شارع المتنبي، واذا ما بدأت من دخولك السوق من جهة جسر الشهداء، ستجد المكتبات التالية حسب الترتيب:

1. مكتبة السيد باقر الصراف 2. مكتبة الخالد لصاحبها محمود قالبجي 3. مكتبة الابتهاج لصاحبها عبد العزيز محمود القديفي 4. مكتبة إبراهيم سدايري 5. مكتبة الزوراء لصاحبها حسين الفلفلي 6.مكتبة احمد كاظمية وكانت تسمى سابقا بالمكتبة الملوكية 7. المكتبة الحيدرية لصاحبها السيد كاظم الحيدري 8.مكتبة ابراهيم الاعظمي.

ان لكل مكتبة من هذه المكتبات قصة وتاريخ لا يسعهما هذا الحديث العاجل، ولكني أنبه على ان أقدمها كانت مكتبة السيد كاظم الحيدري الكتبي التي اسسها ابوه عبد الامير الحيدري المتوفى سنة 1954 باسم (المكتبة الاهلية) التي ذهب اسمها الى مكتبة ابنه الثاني السيد شمس الدين الحيدري وخرج بها الى شارع المتنبي، والمكتبة الثانية قدما هي مكتبة الزوراء لحسين الفلفلي فقد تأسست سنة 1930.

حدثني السيد كاظم الحيدري (1900ــ1990) انه جاء مع ابيه الى سوق السراي في السنوات الاولى من القرن الماضي ولم يجد في السوق سوى مكتبة واحدة هي مكتبة رشيد السعدي (ت1940). فالسوق في بداية القرن العشرين كانت تعج بمحلات بيع الملابس المدرسية وباعة القرطاسية وعدد من صاغة الذهب، واغلبهم من اليهود ثم حل محلهم الصاغة الصابئة وهم الذين ادركتهم، وكانت محلات الصاغة ومعاملهم الصغيرة في خان مجاور لسوق السراي يدعى خان الشابندر، وللخان باب تطل على السوق.

أعلى