أشتات كتبية: من طرائف كتبي رائد

أشتات كتبية: من طرائف كتبي رائد

  • 99
  • 2021/12/13 12:40:55 ص
  • 0

 رفعة عبد الرزاق محمد

الراحل محمود حلمي صاحب المكتبة العصرية من ابرز رواد الكتبيين في العراق، ولعله مع المرحوم نعمان الاعظمي صاحب المكتبة العربية يمثلان جهد التأسيس الاول للعمل المكتبي، وكلاهما افتتح مكتبة تجارية في سوق السراي منذ العهد العثماني.

افتتح محمود حلمي مكتبته الموسومة بالمكتبة العصرية في بغداد قبيل اندلاع الحرب العالمية الاولى سنة 1914، وتوجد اشارات الى ان اخاه الاكبر كانت له مكتبة في كربلاء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وان محمود حلمي كانت له مكتبة في كربلاء قبل انتقاله الى بغداد، وقد ذكره الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في مذكراته. ومن محاسن الايام اني رأيت محمود حلمي قبل وفاته في منتصف السبعينيات وهو لم يزل كتبيا، ولكنه كان كان اجيرا في مكتبته (!)، فقد تعرض الى نكبة مالية دفعته لبيع مكتبته الى احد رواد المكتبة وهو المرحوم صادق القاموسي، وهو اديب شاعر وانسان فاضل، إّذ ابقى حلمي مديرا للمكتبة لقاء اجورمجزية، وعندما كنت ادخل المكتبة اجد حلمي وقد احاط به جمع من كبار الشخصيات العلمية والادبية ممن يعرف فضله امثال عبد الرزاق الحسني والشيخ احمد الوائلي ومهدي المخزومي ومكي جاسم وغيرهم.

ولا ريب ان الكتبيين العراقيين يحملون من الذكريات لاحوال الثقافة العراقية الشيء الكثير بحكم صلتهم باعلام عصرهم، غير ان اغلبهم درج الى رحمة الله بما يحملوه من ذكريات، وقد احسن المرحوم قاسم محمد الرجب صاحب مكتبة المثنى ببغداد وهي اكبر مكتبة ودار نشر عرفها تاريخ المكتبات في الشرق عندما دبج مذكراته عن مشاهداته وطرائف حياته الكتبية، مما جعل مذكراته التي نشرها في حياته وثيقة فائقة الاهمية عن تاريخنا الحديث.

أقول هذا وانا اقلب الاوراق القديمة التي ضمت اخبار محمود حلمي الكتبي الطريفة التي اخترت منها ما يلي:

عندما كان الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي يسكن في دار قديمة في محلة دكان شناوة (خلف بناية الكهرباء في منطقة الميدان)، قرربعد عودته من القاهرة التي فشل في الاستقرار فيها فعاد الى بغداد في منتصف العشرينيات، ان ينتقل من هذه الدار القديمة فسكن اولا ببيت مؤجر في منطقة الكسرة ثم قرر تشييد بيت جديد في المنطقة نفسها او قريبا منها. سمع الزهاوي ان صديقه الكتبي محمود حلمي قد اشترى قطعة ارض مساحتها نحو 800 مترا بسعر ضئيل. وللصداقة بينهما فقد تقدم الزهاوي لشراء تلك الارض من محمود حلمي، فساوم حلمي على بيعها وطلب ربحا على ذلك، وأبى الشاعر الزهاوي ان يدفع مبلغا إضافيا، ولكنه رضي ان يعطيه ربحا عن كل متر نسخة من ديوانه المطبوع في القاهرة سنة 1924، فوافق محمود حلمي على ذلك لعلمه ان ديوان صديقه من الكتب الرائجة. وهكذا استطاع الشاعر الزهاوي ان يبيع 800 نسخة من ديوانه دفعة واحدة وتملك الارض وابتنى عليها داره الجديدة في الشارع الذي سمي بعد وفاته (شارع الزهاوي).

وفي لقاء صحفي اجرته احدى المجلات العربية مع محمود حلمي مؤسس المكتبة العصرية، ذكر فيه طريفة غريبة مفادها انه عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية ارتفع سعر الورق ارتفاعا فاحشا، سافر الى القاهرة ومن هناك شحن الى بغداد (500) دورة من كتاب معجم الادباء لياقوت الحموي وهي في عشرين جزءا، وطلب من شريكه في المكتبة اسحق معلم (وهو يهودي) ان يبيع الدورة الواحدة بمبلغ دينار واحد بسبب كساد السوق، يقول محمود حلمي: الا اني وبعد عودتي من القاهرة سألت عن الكتاب فلم اجد منه شيئا، وعندما سألت اسحق عنه قال انه باع جميع دورات الكتاب واعطاني مبلغ 1500 دينار! فوجئت بذلك وسألته كيف ولمن باعها فأجاب:

ــ بعتها في الشورجة بالكيلوات صفقة واحدة وطلعت الدورة الواحدة بثلاثة دنانير بدلا من ان انتظر سنوات حتى ابيعها كلها بسعر 500 دينار. وهكذا ذهبت 500 دورة من هذا الكتاب الكبير الى معمل للسكاير لتصبح اعقابا.

أعلى