في ندوة شارك بها مختصون.. ما علاقة السرد بتحديث التاريخ؟

في ندوة شارك بها مختصون.. ما علاقة السرد بتحديث التاريخ؟

  • 139
  • 2021/12/16 12:40:58 ص
  • 0

زين يوسف

تصوير: وسام العقيلي

في اليوم السابع من معرض العراق الدولي للكتاب وبالعودة الى الندوات الادبية أقيمت ندوة تحت عنوان "السرد تحديث للتاريخ"، شارك فيها الناقد فاضل ثامر والدكتورة نادية هناوي وأدار الندوة الناقد أحمد الظفيري.

 

فاضل ثامر ابتدأ حديثه عن تاريخ السرد قائلا "الموضوع يشكل واحدا من الاشكاليات الكبيرة في النقد الادبي العراقي والعربي وحتى الادب العالمي بشكل عام، ذلك ان الرواية التأريخية أصبحت ميدانا للتنازع بين سلطتين مركزيتين، السلطة الاولى هي سلطة التأريخ الرسمي والسلطة الثانية هي سلطة التخييل السردي، ولهذا نجد هذا التنازع يتواصل باستمرار وبدرجات مختلفة، نحن نعلم على سبيل المثال أن الرواية التأريخية العربية التي مثلها جرجي زيدان في البداية كانت تحتفي أساسا بالوثيقة التأريخية، وقد تحدث جرجي زيدان في أكثر من مناسبة عن الروائي الغربي واهتمامه بالفن والرواية على حساب التاريخ، قال: نحن نحتكم الى التاريخ أولا ونأتي بالفن وبالرواية لتشويق المستمعين والقراء ليس إلا".

مضيفا أن "هذا الوضع تغير تماما، في الوقت الحاضر.. الروائي العربي بدأ يعيد تشكيل رؤيته وموقفه تجاه التاريخ، متأثرا بالكثير من الاتجاهات النقدية والروائية على مستوى الممارسة وجوهر هذا الشيء ان التأريخ لم يعد يمتلك هذه الحصانة او المركزية او القداسة وانما بدأ يُنظر اليه بوصفه جزءا من المرويات وايضا جزءا من القصص، وكما قال الناقد والمؤرخ الاميركي هايدن وايت بأن التاريخ هو عبارة عن سرد، ولديه أكثر من كتاب يغير فيه المنظور التام تجاه التاريخ، فسقطت قدسية التأريخ الرسمي وأصبح شأنه شأن بقية التواريخ الاخرى، وهكذا بدأ الروائي يبتكر لينقل تأريخا بديلا عن التأريخ الرسمي".

وعن مسألة العلاقة بين السرد والتاريخ وما نتج عنها من تكوين الرواية التاريخية قالت نادية هناوي "هناك مسألتان مهمتان، الاولى هي أن الرواية حين نشأت وتشكلت كانت في صلب التاريخ لان العلاقة قائمة وحاصلة ما بينهما، ومنذ جرجي زيدان وفرح انطوان الى اليوم كثير من الكتاب يتناولون التاريخ ويوظفون شخصية معينة أو حدثا معينا او واقعا معينا ويبنون عليها التخييل السردي، وفي الحقيقة هذا التوصيف يدخل في الاطار المعتاد، الاطار الذي تكون فيه للتاريخ سلطة ويكون الكاتب خاضعا لهذه السلطة، والذي نتوجه اليه اليوم بشكل عام هو كيف يتخلص الكاتب او الروائي من سلطة التاريخ ويحاول ان يطور ويكشف مضمرات التاريخ المسكوت عنه مما لم يذكره المؤرخون، الصفحات البيضاء التي تركت في التاريخ، هذه كلها هي مهمة الروائي، بالتأكيد المهمة ليست يسيرة، في الاساس ترتهن بما لدى الكاتب مما يمكن ان نسميه بالوعي التاريخي وايضا هي مرتبطة بما يحمله من أفكار وما يريد به أن يسخر التاريخ لخدمة السرد".

وبينت ان "الفرق كبير بين أن يكون الكاتب متناولا رواية تاريخية يجعل فيها السرد خادما للتاريخ، هو يريد أن يقرب الحادثة او الشخصية التاريخية من أذهان القراء فيأتي الى التخييل السردي ويدخله على الحادثة لكي يشوق القارئ ويقدم له مادة هي ذاتها المادة الموجودة في كتب التاريخ، المفروض والذي يتماشى مع توجهاتنا وتوجهات ما بعد الحداثة هو أن يسعى الكاتب الى خلخلة هذه الصورة، وأن يطوع التاريخ ويشكك في صدقياته وأن يتخذ من الشخصية طريقا يكشف به عن الخفايا، وعلى ذكر هايدن وايت فقد نظر هايدن الى التاريخ بشكل عام على أنه عبارة عن حبكة سردية ولانه حبكة سردية فهذا يعني أن المؤرخ شغل تخييله التاريخي وجعله داخلا في اطار الفاعلية التاريخية".

وبالعودة الى الناقد فاضل ثامر تحدث عن سلطة التأريخ حين تسيطر على كاتب وهل فيها ضعف ام تُعد ثقافة تأريخية للكاتب قال "لنأخذ على سبيل المثال واقعة تأريخية معينة وهي سقوط غرناطة في الاندلس، هي واقعة واحدة لكن عددا من الروائيين تناولوها وحتى ان هناك كاتبا اسبانيا كتب عن هذا الموضوع من وجهة نظر خاصة، وعدد من الروائيين العرب الذين كتبوا ومنهم "البيت الاندلسي" للروائي الجزائري واسيني الاعرج، ايضا في العراق كتب "مخيم المواركة" جابر خليفة جابر، ايضا رضوى عاشور كتبت "ثلاثية غرناطة"، وأقامت لونا من العلاقة الخفية بين هذه المقاومة التي ظهرت وبين المقاومة الفلسطينية".

مشيرا الى "ان الكثير من الروايات التي كتبت قدمت مجموعة من الرؤى المختلفة، في البيت الاندلسي كانت هناك وثيقة تأريخية، هذه الوثيقة التأريخية ليست حقيقية وانما ايضا هي تخييلية، ان جاز التعبير نقول انها ملفقة على التاريخ ولكنها تتفق مع ما هو ممكن في هذا الشيء، والروائي في مثل هذه الحالة لا يكتفي بتسجيل او تدوين ما هو كائن وانما هو يتطلع الى ما هو ممكن على وفق مقولة "لوسيان غولدمان"، الناقد الفرنسي في هذا المجال يحاول ان يقدم هذا الشيء ولهذا نجد دائما الرواية التأريخية تحمل حمولات فكرية وربما شعرية وايديولوجية وسياسية كثيرة في مثل هذا الجانب، وقد لاحظت ان احد المؤرخين والمنظرين وهو "بواز شوشان" في كتابه عن شعرية التأريخ الاسلامي، تفكيك تاريخ الطبري أشار الى ان تناول الادباء للرواية التأريخية من خلال الشعرية سيعطي نتائج مختلفة جدا وسيقود الى سلسلة من التأويلات التي لا تطرحها عادة مثل هذه الاشياء وهذه حقيقة مهمة جدا".

في الختام تحدثت نادية هناوي عن تعامل الرواية العربية مع التاريخ وقالت "اذا اردنا ان نضرب مثلا لهذا الامر ونبدأ بأول عربي حاول ان يطور هذه النظرة وان كان الامر بدون قصدية هو الكاتب الكبير طه حسين، طه حسين في الوعد الحق وفي كتابه على هامش السيرة تناول شخصيات واحداثا تاريخية لكن تعامله معها كان منطلقا من هذه الرؤية، محاولة كشف المخبوء في الكثير من المناطق التي تناولها المؤرخ الاسلامي، وقد استعمل طه حسين هذا التوظيف بشكل يعبر عن وعي خاص، ودراسته عن ابي العلاء المعري كانت رائعة خصوصا كيف وصف بيت ابي العلاء المعري".

وأشارت الى ان "طه حسين لم ير ابي العلاء المعري شخصيا ولا كتب التاريخ ذكرت بيت ابي العلاء لكنه استلهم من وقائع التاريخ مما سطر في صفحاته عن حياة ابي العلاء استلهمها وراح يصوغ لنا كلاما جميلا منمقا مشوقا عن المكان الذي كان يسكنه ابي العلاء المعري، ومن بعد طه حسين بدأت تظهر كتابات تحاول ان تحادي التاريخ وتشكك في بعض جوانبه".

أعلى