افتتاحية الملحق: استذكارُ الغائبِ  الذي لا يغيب..!

افتتاحية الملحق: استذكارُ الغائبِ الذي لا يغيب..!

  • 15
  • 2022/12/11 12:52:02 ص
  • 0

 فارس كمال نظمي

ليس كمثل هادي العلوي (1932- 1998) من أعاد نبش الكثير من المسلّماتِ الفكرية ليصنع منها محرّضاتٍ تعيد استنطاق المفاهيم والرؤى التجديدية المفسرة للذات والعالم، للايديولوجيا والحضارة. أليست مهمة الثقافة (بجذرها المفاهيمي/ اللغوي) هي الاستنبات والحرث والتقويم؟!

ذهب العلوي بعيداً في استنباته للمدهشات من المألوفات، صادماً للسكون، ومبشراً على الدوام بضرورة تفحص ما هو تقليدي ونقده بحدة، لينبجس منه ما هو مغاير وقادح للجديد. ويصعب أن تجد مفكراً – كالعلوي- أفلح في مزج التحليل النظري بالهمّ الأخلاقي حد التداخل والتجانس الاصطلاحي.

فالثقافة لديه تكون "زائفة" إنْ لم تتصل برفض المغريات السلطوية والدنيوية وبالابتعاد الواعي بمسافة أمان عن الحكومات الفاسدة. والماركسية لديه (بالرغم من ماركسيته) تبقى ناقصة التأثير والفاعلية في الشرق إن لم تتلاقح بالتراث والموروث الحضاري لمجتمعاتها. واليساري لديه ليس من يفكر نمطياً بتغيير الأوضاع وتثويرها فحسب، بل من يفكر بحرية تامة لابتكار أساليب مبدعة لإحداث التغيير والثورة. أما سيكولوجيا المثقف غير المزيف لديه فهي الزهد والتصوف القصديان في عالم لا يجد فيه المحرومون ما ينقذهم من بؤسهم (أجوع مع الجائعين، فهو شرط المعرفة.. وألتحف في المنافي، فذلك هو شرط الحرية).

لستُ بصدد الترويج لمضامين فكر هادي العلوي الذي يبقى قابلاً للنقاش والنقد والحوار أزماناً طويلة، ولكني بصدد الإشادة بنزعته العقلية الحرة في مغايرة السائد واقتحام التابوات وإخلاصه الفريد/ الثابت/ الواثق لصوته المغرد خارج أسراب اليسار واليمين التي عايشها ضمن جيله الثقافي والسياسي والأيديولوجي. وحينما يرتبط اسمه بمعرض دولي كبير للكتب في قلب بلاده (بغداد) تتلاقح أو تتصادم فيه تيارات فكرية متضادة، فأظن أن روحه الحرة المجددة المتمردة ستحصل على شيء من عزاء لم يتحقق في حياته الموزعة في ثلثها الأخير في المنافي بعيداً عن بلده الذي ظل يحفز وجدانه الفكري والأخلاقي حتى النهاية.

إن الدرس الأهم الذي نتوقف عنده اليوم وينبغي إحياءه دوماً، هو كيف يجعل المثقف من حياته الشخصية والاجتماعية فصلاً منبثقاً من فكره وملحقاً به ومكمّلاً له ومترجماً أميناً لمضامينه وقيمه. قالوا قديماً إنها وحدة الكلمة والموقف أو وحدة الفكر والممارسة، وأضيف أن استذكار رمزية هادي العلوي اليوم في بغداد هو استحضار وتجسيد لوهج المثقف/ المثال الرفيع الذي لا يخبو أبداً، بل يتجدد ويسمو وينبعث بعد ربع قرن من غيابه الجسدي ليتحقق خلوده المعنوي المُلهِم.

أعلى