افتتاحية الملحق: الأبيض والأسود قدر الكتاب ورفعته..عن إعلان معرض العراق الدولي للكتاب

افتتاحية الملحق: الأبيض والأسود قدر الكتاب ورفعته..عن إعلان معرض العراق الدولي للكتاب

  • 35
  • 2022/12/12 12:16:48 ص
  • 0

 شهد الراوي

بمثابة لحظة تأمل، أو توقف ضروري، أو استثناء على الوقت، يأتي إعلان معرض العراق للكتاب وسط تدفق الحياة الملونة التي تعج بكل شيء دفعة واحدة غير مبالية.

لم يعد الأسود والأبيض يشيران إلى عالم تقادم عهده، أو عصر قال كل مالديه. إنهما لا يقدمان مادة مسليّة للذاكرة، إنما هي دعوة للتوقف، والتريث، والانسحاب الاختياري من لهاث الوقت العابر نحو تلك الأعماق، التي لم تتح لنا الظروف سبر أغوارها. وهذه الاعماق المجيدة مخبأة هناك بين تراصف الكتب على الرفوف. فالأسود والأبيض هما قدر الكتاب وسره الخفي الذي يتجاوز اغراءات الألوان الى روعة المضامين.

بالعادة يحمل أيَ كتاب في صفحته الأولى معلومات بهذين اللونين، وتحيلني هذه الصفحة دائماً إلى إشارة خفية للقارئ؛ أن يوغل رويداً في عالم سينبض بين يديه مثل كائن حي، ما أن ينهمك في سطوره حتى يتنفس.

كانَ الأبيض والأسود، لونان يمنحان الحياة ذلك البطء السعيد، سيما وأن الناس احتفظوا بسحر يومياتهم عبر صور نحّت الألوان جانباً لصالح هذين اللونين.

والمفارقة أن ذلك الزمن، ورغم عجزه عن استعراض كل الألوان؛ كانَ بعيداً عن التزييف. لأن البشر عاشوا يوميات ليست افتراضية؛

حيث التواصل الاجتماعي هو تواصل العيون والقلوب والأرواح، والناس تقرأ كتباً لا يرميها التايم لاين أمام أعينهم، بل تأتي نتيجة مراقبة انفعال القراء بالحديث عن كتاب يطبع ظلاله عليهم شيئاً فشيئاً مع نمو الأيام.

كان المؤلف والقارئ يصنعان المعرفة سوياً دون تظاهر أو تثاقف مفتعل في تبادل مسل ومبهر للأدوار.

الحضور في أروقة المعرض في بغداد فرصة رائعة لعيش الحياة كما هي؛ حيث المؤلف والقارئ والكتاب أشياء حقيقية في عالم واقعي، ظلت صامدة أمام سيلان غزو الشاشات الذي يجري بلا هوادة.

مرحى لبغداد وأهلها، مرحى للكتاب ولمؤسسة المدى، ولكل الشباب الذين مازالوا يقاومون تسطح الحياة وتداعيها بكرنفالات تحتفي بالمعرفة والفن والجمال، تحتفي بالكتاب والمؤلف والناشر والأسود والأبيض.

أعلى