افتتاحية الملحق: هادي العلوي: نموذج المثقف الذي نفتقده

افتتاحية الملحق: هادي العلوي: نموذج المثقف الذي نفتقده

  • 33
  • 2022/12/14 12:41:11 ص
  • 0

 إياد العنبر

حدد هربرت ماركيوز الدور الرئيس للمثقف بقوله: "المثقف هو من يرفض التسوية مع الفئات المسيطرة"، ولعل هذا التحديد هو أدق وصف لمواقف المفكر العراقي هادي العلوي. الذي أنصفته مؤسسة المدى مرتين، الأولى كانت في حفل استذكاري احتضنه بيت المدى بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاته في 2009. وها هي اليوم تستذكره بكرنفال بغدادي يحمل اسمه ويحتفي بمنجزه الفكري والثقافي.

في بداية قراءتي لكتب هادي العلوي، وجدته ناقداً وبقسوة للسلطة السياسية وكل ما يتعلق بها، وداعياً المثقف إلى التعالي عنها، وجعلها ضمن الخساسات الثلاث التي جمعها مع المال والجنس. وربما يعد البعض هذا الموقف هو للتنظير فقط، حاله حال الكثير من المفكرين والمثقفين، لكن من يقرأ سيرة العلوي يجده نموذجاً للمثقف الذي يحترم فكره، ولا يفصل بين مسلّماته الفكريّة ومواقفه الاجتماعية والسياسية.

في بداية شبابه تفادى هادي العلوي مصافحة الملك فيصل الثاني عند توزيع الشهادات على المتخرّجين المتفوّقين من كلّية التجارة والاقتصاد في العام1954، وكان هذا أولى مواقفه الرافضة لمجاملة الحكام. ويصف العلوي نفسه بأنه "معارضٌ لا أصلح للسياسة"! ويعلّق رشيد الخيون على ذلك بقوله: "السياسة لا تصلح لمثل العلوي، لا بالقلم، ولا بالبندقية، فهو الحالم الصوفيّ الذي لا يناقض قلبه لسانه. ماله وسرعة تقلبات السياسة وكثرة وجوهها وهو لا يجيد أبسط مقتضيات المجاملة؟!".

على صعيد حياته ومواقفه لم يفصل العلوي بين التنظير والأفعال، حيث جمع إلى علمه الغزير وثقافته الموسوعية نزعة طهرانية، وزهداً في الدنيا، جعلاه يترفع عن أبسط مُتع الحياة، ولهذا اقترب سلوكه وطرائق تفكيره من متصوّفة بغداد. العلوي، كما تصفه الكاتبة السورية سعاد جروس "هو من الأشخاص النادرين، إن لم يكن الوحيد، الذين يتملّكون أفكارهم حتّى تتملّكهم، فيعيشونها بكلّ صدقٍ وإصرارٍ لإثبات أنّ ما يدعون إليه ليس مثالية. فوحدانية الفكر والسلوك خاصة نادرة جداً في مجتمعنا وعلى المستويات كافة".

ويجد هادي العلوي درجة الوعي أيضا العامل الرئيس في تشخيص المثقف فدرجة الوعي الاجتماعي، تجعل من بعض الشخصيات مثقفة. لذلك يعتقد أنه "ليس لازما للمثقف لكي يثبت مصداقيته أن يموت في السجن أو يتصوف، لكنه مطالب بأن يعيش نزيهاً كما يعيش عامة الناس".

ومن هنا يرفض العلوي في كتابه المرئي واللامرئي أن تكون هناك علاقة اندماج بين المثقف والدولة؛ لأن "اندماج المثقف في الدولة يجلب الضرر عليه وعلى الدولة.. لأنه يفقده مثقفيته ويجعل منه داعية، أو يقيد تفكيره بوظيفته الإعلامية أو الآيديولوجية في أحسن الأحوال. ومن النادر أن يكون مثقف الدولة قادراً على الإبداع. فالدولة نقيض مطلق للفكر حتى لو كانت دولة الفلاسفة الطوبائية. وفي جميع أطوارها لم تخرج الثقافة الرسمية من أهازيج المدح، نظماً أو نثراً. وإذا كان الأديب الذي يمدح الحاكم الفاسد في حكم المرتزق فإن الأديب الذي يمدح الحاكم الوطني أو الشعبي يكون في حكم الذيل الملحق بجسد الدولة".

ما يميّز كتابات ومواقف هادي العلوي، الكاتب الشرقي العميق المتجذّر في شرقيّته (العربيّة - الآسيوية)، هو عداؤه غير المحدود لكلّ ما يتعلّق بالاستبداد، وحتّى بالسلطة؛ ولعلَّه من الكتّاب القلائل الذين لا يعشّش شرطيّ الرقابة (الواحدة، أو المتعدّدة) في أذهانهم، فكان لا يحسب حساب أحد وهو يكتب، فلا يكترث بالسلطات السياسية ولا بالسلطات الدينية ولا بالسلطات الثقافية المختلفة. إنّه يتعامل مع موضوعه الفكري أو السياسي بقناعاته الكاملة وغير المنقوصة. ومن هذه الزاوية، فهو بالتأكيد، لم يكن رجل سياسة، من دون أن يعني ذلك أنّه لم يكن صاحب مواقف سياسية، بل على العكس من ذلك، فقد اتخذ موقفاً سياسياً من كلّ ما كان يجري حوله، منطلقاً من قناعاته وقيمه الأخلاقية ورؤاه الخاصة للأمور، التي كانت تثير حوله الكثير من الزوابع، لا بل العداوات الشرسة.

أكثر ما نحتاجه اليوم هو استحضار نموذج المثقف الذي حدد ملامحه ورسم خريطة مواقفه المفكر هادي العلوي، لأننا، أغلب مثقفينا لا نعرف لهم أي التزام مبدئي، وقد تحوَّلوا إلى (مثقف سائل) يتحوَّل موقفَه حسب متطلبات العرض والطلب، سواء أكان من قبل السلطة أو قوى اللادولة. ومن ثمَّ بات المثقف غير الملتزم بقضايا الجمهور ولا بمبادئ النخبوية، يجد في التقرّب من السّلطةِ فرصةً لتعزيز مكانته الاجتماعية أو موارده الماليّة، فالمعرفة بالنهاية قد يكون هدفها السلطة والحضور، كما يعتقد بذلك ميشيل فوكو. ولا يهمّ كيف يكون الطريق للوصول إلى حاشية السلطة، إذا ممكن أن تتحالف مع القوى التقليدية والأوليغارشيّات السياسية في سبيل المنصب.

أعلى