بياض المدى وسوادها

بياض المدى وسوادها

  • 16
  • 2022/12/15 01:10:03 ص
  • 0

 علاء المفرجي

اختارت المدى عنوانا لمعرضها (زمن الأبيض والأسود)، ويمكن الكتابة عن اللون الأبيض ملفاً متكاملاً، مثلما يمكن الكتابة عن الأسود ملفاً كاملاً متكاملاً أيضاً، فهذان اللونان يدخلان في تفاصيل كل شيء في هذه الحياة.

فأحدهما كناية عن النور والآخر هو تمثيل لغياب النور. ثم إن اللون الأبيض تتشكّل منه جميع ألوان الطيف بينما يمتص الأسود الألوان الأخرى أو يغيِّر بطبيعتها إذا ما أضيف إليها. واللونان هذان يمكن لكل منهما أن يعيش ويتواجد وحده، ولكنهما غالباً متحِّدَين في لعبة الضوء والظلّ التي لا يفلت منها أي كائن على وجه الكوكب الأزرق. المقال هنا لا يتناول أحد اللونين وحده، أي حالات الأبيض وحالات الأسود. بل يتناول علاقتهما ببعضهما، فهما لونان يتكاملان في صور كثيرة رغم التناقض الذي قد ينطوي على العلاقة التي تجمعهما. سأكتفي هنا بعرض للأبيض والأسود بتناقضهما وباتصالهما وتوازيهما، في صناعة مؤسسة كبيرة مثل (المدى).

كان يتم إسقاط هذين اللونين على أمور وأشياء لا حصر لها، بدءاً بالخير وكذلك الشر والليل والنهار والعدل والظلم إلى السعادة والحزن والغِنى والفقر والكراهية والحُب إلى الحياة والموت. وكأن نهاية الأبيض هي بداية الأسود أو العكس، أو لكأنهما رغم كل تناقضهما يكملان بعضيهما، فلا ضوء بلا عتمة، ولا ظلّ بلا شعاع، ولا سواد مطلق ولا بياض مطلق.

ومن هذا المنطلق، نسأل ان كانت المدى، مسيرة، وتاريخا، وانجازا، وعطاء، تؤخذ بجريرة تلك التعاريف المطلقة للأسود والأبيض، ام انها بتاريخها الناصع تمتص كل ألوان الطيف لبيرق اسمها مثل فضاء ملون.

الأسود والأبيض، مفهومان، لو استعرضنا التاريخ أعني تاريخ المدى. سنقف كثيرا عند سؤال: ما هو الأسود والأبيض في تاريخ المدى، بل أيٌ من الألوان ينطبق على هذا التاريخ.

سأفترض أن (أسود) المدى هو منذ تأسيسها عام 1994 في دمشق الشام، وحتى موعد انتقالها الى بغداد في ظل فضاء الحرية (المزعوم) للأسف.. وهنا سأحّيد السواد، بتعريف زمني ليس إلا، بوصفه التاريخ القديم للمدى، تماما من الفوتوغراف والتلفزيون والسينما، وليس بمعنى سلبي.

فكان انبثاقها تماما مثل خواتيمها، انطلاقة متوثبة سابقة للزمن، حيث دار المدى النشر، التي نزهو اليوم بمعرضها الثالث في بغداد، وقبله في أربيل والبصرة، ومجلة المدى، ومجلة الوقت، وسلسلة من ملتقياتها الثقافية التي لم تشهد دمشق مثلها في تاريخها الثقافي المعاصر، حيث الجلسات الثقافية، والندوات، ومهرجانات الفن. هذه الفعاليات التي ارتبطت بـ (أسود) المدى استقطبت حشودا من المثقفين والفنانين لا عهد للمدينة بهم.. فكانت وكأنها تكتب تأريخا ثقافياً للمدينة، يسابق الزمن بل ويتمرد على ألوان التاريخ. كان (أسود) المدى يمهد لـ (ابيض)ها، بحكم الزمن ليس إلا.

وبياض المدى الذي اقترن بالحرية التي نالها الوطن عام 2003، كان محملا بالوعد الكبير، إنجازات ثقافية جاوزت إنجازات مؤسسات ترعاها الدولة، بدأتها بلم شمل المثقفين الذين تجاوز عددهم أكثر من 700 مثقف في عاصمة كردستان أربيل، حيث تواصلوا بإبداعاتهم ونشاطاتهم، ليتكرر مثل هذا اللقاء سنوات بعدها، وكذلك لقاءاتها الشهرية والاسبوعية التي يجمعها حدث ثقافي بعينه، مثل نهارات المدى وأيامها، وورشاتها، ومعارضها، وكل النشاطات الثقافية.

واليوم المدى متواصلة بهذه النشاطات، بمعرضها الثالث في بغداد، الذي أنطوى على كل شيء جديد ابتداءً من التنظيم وتصميم علاماته، وانتهاء بحشود دور النشر وعناوينها التي شاركت في هذا المعرض.

لا يمكن أن يبقى الأبيض والأسود متناقضين أو متعارضين أو كل منهما وحده يحارب الآخر، في رحاب المدى الثقافية، فأمورهما ليست محصورة بالخير والشر ولا بالنور والعتمة. هناك كثير مما يجمعهما معاً، مما يجعلهما وجهين في عملة واحدة.

المدى لونها إذن رمادي. كما يقول الشاعر:

ضدان لما استجمعا حسنا ... والحسن يظهر حسنه الضد

أعلى