افتتاحية الملحق: هادي العلوي فيلسوفاً

افتتاحية الملحق: هادي العلوي فيلسوفاً

  • 30
  • 2022/12/15 01:30:37 ص
  • 0

 د. نادية هناوي

ثمة عوامل تصنع من الإنسان كياناً مختلفاً ومتفرداً بميزات خاصة تجعله أمثولة في ميدان عمله أو تخصصه. وليس هذا الاختلاف والتفرد سوى نتيجة حتمية لفرادة العوامل التي صنعت تلك الامثولة وساهمت في اختلافها.

 وتتجلى في عالمنا العربي أمثولات قدمت للفكر الانساني منجزات وعطاءات ولكنها ما تزال في الظل لم تسلط أضواء العناية والاهتمام عليها. ومن هذه الامثولات التي جاءت عن موهبة وتوفرت لها عوامل مناسبة كي تبرز في ميدان الفلسفة ولكن لم تحظ بما يليق بفكرها، الفيلسوف العراقي هادي العلوي. وعادة ما لا يتبادر اسم العلوي إلى أذهاننا ونحن نعدد أسماء الفلاسفة العرب مثل شبلي شميل وسلامة موسى ومحمود أمين العالم والطيب تيزيني وعلي عبد الرازق وحامد نصر أبو زيد وغيرهم من المفكرين الذين عاشوا وأبدعوا في عصرنا الحديث كأمثولات ذوات مشاريع فكرية وريادية.

ولا استغراب في هذا الأمر إذا علمنا أن لتراتبية الهامش والمركز في العراق ثقل نوعي يخالف ما في بلدان عربية أخرى ليس فيها الفاصل واضحا أو مؤثرا بين الهامش والمركز، فكان المفكرون والمثقفون وعلى اختلاف توجهاتهم وتباين منازعهم يعملون في محيط يوصف بالعموم أنه مركزي. بيد أن خصوصية فكر هادي العلوي، وثقل المركز العراقي الذي عاش جلَّ حياته خارجه، جعل العلوي بعيداً عن الأضواء ومن ثم غاب اسمه كأمثولة فلسفية.

وليس الفيلسوف هادي العلوي في غمط حقه وتناسي فكره بالجديد فلقد سبقه مفكرون وباحثون عراقيون وُريت أطروحاتهم وضُربت عليهم سجف النسيان كعبد الفتاح إبراهيم وعلي الشوك وجواد علي وطه باقر وفيصل السامر. وما زال الغبن يلاحق أعلاما آخرين ذوي انجازات لكنهم في الظل لاستقلاليتهم وعدم ممالأتهم الأنظمة الحزبية والتكتلات الفئوية، فكانت لهم مبادئهم وقيمهم التي ما حادوا عنها أو هادنوا فيها، ولقد قدّم هادي العلوي عطاءات علمه وفكره من دون منة أو استعلاء، مساهماً بقوة في تجديد الفلسفة العربية المعاصرة، واضعاً أمام الدارسين العرب والأجانب مفاتيح لدراسة كثير من المعضلات والمستغلقات في فكرنا وتاريخنا العربيين، جامعاً بين التاريخ والدين والاجتماع واللغة والانثروبولوجيا والايديولوجيا والميثولوجيا وعلم النفس وعلوم الفقه والتفسير والتحقيق والكلام في شكل خلطة معرفية انتهت إلى أن تكون مشروعاً فلسفياً قائماً بذاته.

وقد يوصف هادي العلوي بالباحث الاجتماعي أو المفكر اللغوي أو المؤرخ الإسلامي أو الناقد الأديب وغيرها من هذه الأوصاف التي لا تفي العلوي حقه إذا ما وصف بها ومن ثم يقتضي وضع الأمور في نصابها إضفاء صفة الشمول الفكري عليه من خلال نعته بـ(الفيلسوف) كأمر يحتمه سياق الأحوال التي عايشها ومناهج البحث التي استقى منها علمه وأسلوبه المنطقي في المحاججة والمدارسة بموضوعية وجرأة كبيرتين وبقدرات فريدة تجعله في مصاف فلاسفة العالم الحديث كميرلوبونتي وكروتشه وهيدجر وغادامير وايغلتون.

أعلى