لماذا نقرأ الأدب؟

لماذا نقرأ الأدب؟

  • 26
  • 2024/02/18 10:00:42 م
  • 0

حيدر المحسن

- 4 -

على الرغم من حرصه للمحافظة على أسلوب حياته، في الأيام الأخيرة كانت تمرّ على طه حسين أوقات يعاني فيها من "آلام مرعبة في الجبهة"، فيسقط مغشيّا عليه، ثم يتيقّظ فجأة، ويطلب من مساعده الاستمرار بالقراءة، بعد أن تكون زوجته رفعت رأسه وعيناها مليئتان بالحزن وبألم الفقدان، وقامت الخادمة بتغيير الوسادة لأنها تبلّلت بالعرق. يا له من إصرار عجيب على الشغف بالحياة عن طريق القراءة؟! الكتابان اللذان صاحبا أديبنا في أسبوعه الأخير هما "الملل والنِحل" لأبي فتح الشهرستاني، و"مذكرات كافكا" تحرير ماكس برود باللغة الفرنسيّة.

بعد قراءة الصحف بحثت الزوجة في الإذاعات وعثرت على سمفونية فاوست لفرانز ليست. تناول عشاءه الأخير، وكان عبارة عن حليب مع البسكويت والعسل. قرأتْ له بعد ذلك مقالات من صحيفة كورييه دو لاسيرا. وأخيرا: "وبما أن اليوم كان يوم أحد، وكنتَ طلبتَ لي أن ألتقط لك إذاعة لوزان، فقد بحثتُ عنها ووجدتُها، وكانت تبثّ سمفونيّة براج".

*

الحياة مملّة ومليئة بالغموض المظلم بنحو يبعث على اليأس، ويُثير فينا الأدبُ والموسيقى الدهشةَ المطلقة بأدوات بسيطة للغاية؛ الكلمات والنوتات، وهذه عبارة عن أصوات لا غير، أكثر خفّة من الدّخان والأفكار والنوايا، بل هي هواء في شبك، وريح في قفص. نحن نقرأ الهواءَ في الشبك لأن الواقع مملّ بصورة فظيعة، كما أن أشدّ ما يُغيظ النفس المُبدعة هو الشعور بالوحشة والضجر، يُفاقم هذان العدوّان المرض ويعزّزان أعراضه أيّا كان مصدره.

وقلوبنا ترفرف كالطيور وتزداد لوعة، نحن نقرأ الأدب كي نتعطّش للحبّ أكثر وللنبيذ المعتّق، وكذلك للملح الخشن تُلقي به الأمواج على شراع المركب، فيغدو نسيجه مضاعفا على الأقلّ مرّتين أو ثلاث، وكان للبحر نبضاً هادئاً في البدء، ثم عصفت الرياح واسودّت السماء، وانقلب الموج إلى ثيران هائجة تطلبُ الثأر، بكلّ معنى هذه الكلمة، ونحن نتأهّب لأن نلاقي مصيرنا. لكن الكفاح الأنسانيّ الشاقّ يتحوّل المرء من خلاله شيئا فشيئا، ويا للبهجة! إلى فنّان غايته الخلود. نحن نقرأ الأدب كي ندخل جنة مملكة الفنّ، أو نراها ولو من بعيد.

نقرأ الأدب كي لا ينزلق كلّ شيء من بين أيدينا دون أن ندري. نقرأ الأدب كي لا تبعثر الرياح رماد الخرائب عندما يطاردنا بريق شمس سوداء، وكلّ ما نفعله أننا نندب حظّنا ونعزّي بعضنا، وفي تلك الساعة هربتْ ألوانُنا منّا، والفؤاد تحجّر وصار صخرة لكثرة ما حمل من ضَيم.

خذِ الناي واعزف عليه. خذِ العود وضع الريشة على الوتر. ليس ثمّة حاجة إلى أكثر من هذا الأمر البسيط: نقرة واحدة من إصبعك على الدف تُطلقُ جميع الأصوات، وهذا هو الأدب..

أعلى