لماذا نقرأ الأدب؟

لماذا نقرأ الأدب؟

  • 24
  • 2024/02/19 10:38:57 م
  • 0

حيدر المحسن

- 5 -

يقال إن كل شيء يغدو ثلاث مرات عندما نقرأه في الحكايات. تعبيراً عن حبّه لكلارا، وعن يأسه أيضاً، وحزنه على هذا الحبّ الذي لا يستطيع أن يحيا ويزدهر، لحّن الموسيقار روبرت شومان أغنية أطلق عليها اسم "غرام شاعر" A Poet’s Love متتابعة غنائية حاول شومان فيها إحلال اسم حبيبته بحروف موسيقية على أصابع البيانو،

وفيها يصف كذلك، بلغة الموسيقى أيضا، حاله وآلامه التي تزول بالنظر إلى عيني حبيبته، وماذا يجري له عندما يمسك بيدها، ويقبّلها، وشعوره بالفرحة السماوية عندما يستريح على صدرها، ودموعه التي تسيل عندما تقول له: أحبك.

إن سماع موسيقى هذا العاشق أو قراءة قصّة حبّه، أو حتى مجرّد تخيّلها، يدلّنا هذا الأمر على حقيقتنا ونوع الزمن الذي نعيش فيه. هل كُتِبَ علينا أن نشيخ، أم أنّنا في شباب دائم؟ الزمن التاريخي أو الواقعي يجري على استقامة واحدة، يتقدّم إلى أمام فيكون مستقبلا، ويتراجع ليُمسي ماضيا. أما زمن العاشقين فهو دائريّ، إلى الأبد. إنه يتقدّم ويعود دائما ويتجدّد، فلا توجد نهاية في موسيقى شومان وقصّة حبّه، وإنما هناك بداية جديدة.

*

نقرأ الأدب لأن الحبّ مُضنٍ وتُربكنا عذوبة المرأةُ التي نعبدها والوقتُ ليل، ويستمر هذا الإرباك في إرهاقنا عندما تمرض نساؤنا أو يسافرنَ أو يغادرننا دون رجعة، فالحبّ لا يفنى مع موت من نُحبّ، وإلّا ما كان حبّا. إنه يفاجئنا على حين غفلة في أيّ وقتٍ وفي كلّ مكان:

أجلس الآن وحيدا في الظلمة، مع جلبة من الهموم والمخاوف تعبر بالي. لكنّ ما أثار فيّ الشعور بالطمأنينة أنّ التعبير البادي على وجه امرأتي لم يتغيّر بغيابها قطّ. الليلة باردة وحديث معبودتي وهي بعيدة ذهبٌ مصفّى. أخذ المطرُ يصيخُ السمع إلى صوتها فعشقها وأخذ بالهطول فوق البساتين. ثم رحنا نصغي إلى حديث الأشجار في النافذة. يبدو أنّ لديها سرّا، وكانت على وشك أن تُفشيه لنا، لكنها لم تفعل. نحن نقرأ الأدب كي نعرف هذا السرّ.

لأنّ قطرة النّدى في ثقلها وشكلها وعمرها تعادل صرحَ جبلِ، نحن نقرأ الأدب لكي تمثُل هذه الحقيقة، ومهما كلّف الثمن، في عقول العالمين. بالإضافة إلى حقائق أخرى عصيّة على التصديق، لكنّ بإمكان القلب الإنساني أن يسعها بكلّ جنباته، لتحلّ فيه بدلا من القلق والسأم، وكذلك الشعور بالعماء والمرض.

نحن نقرأ الأدب كي نتقبّل بشجاعة هبات أقدارنا، لأن كلّ ما حدث في الماضي يجري الآن، وسوف يصبّ نهر الأحداث في المستقبل دون تغيير. الزمان هو الزمان في كلّ زمان. نحن نقرأ الأدب لكي لا تشملنا بُردة هذا اليقين. عندما نشدّ أوتار القلب بقوّة، تأتي أعمالنا طيّبة أكثر من اللزوم، وسوف يستثني النسيان من نُحب، ويستثني أعمالنا، وهذه الحقيقة معروفة في عالم الأدب الذي نقرأه.

أعلى