الكتاب في زمن الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي

الكتاب في زمن الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي

  • 27
  • 2024/02/19 10:44:15 م
  • 0

د.قاسم حسين صالح

يمتاز العراقيون بأنهم يحبون الكتاب من يوم تعلموا القراءة، فهو بوصف البصري أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (الجليس الذي لا يُطريك "لا يمدحك"، والصديق الذي لا يُغْريك، والرفيق الذي لا يَمَلُّك، والمستميح الذي لا يَسْتِريثُك، والجار الذي لا يَستبْطِيك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالمَلَق، ولا يعاملك بالمَكْر، ولا يَخْدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب). ويضيف بان الكتاب يحيي القلب، ويقوّي القريحة، ويمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة.. وعنه قال المتنبي (وخير جليس في الزمان كتاب).

وكنا (نحن جيل الكبار) في ستينيات القرن الماضي نلتقي بمقهى (البرازيلية) وكل واحد منا جاء وبيده كتاب. واكتشفنا مبكرا ان اكتشاف الكتابة يعد واحدا من أهم الإنجازات الإنسانية عبر التاريخ بوصفها وسيلة للتعبير عن المشاعر الصريحة والمكبوتة التي تجعل القارئ يتوحّد بالكاتب. وان للكلمة المكتوبة وقع السحر على النفس الإنسانية؛ القادرة على التغلغل إلى الأعماق، وإبراز المواهب والقدرات، لاسيما الرواية والقصة والشعر التي تساعدعلى تطوير شخصية الإنسان، والنهوض به عقليا ونفسياً ووجوديا!.

وسيكولوجيا يعمل الكتاب على تغيير نظرة الإنسان الى الحياة والناس بشكل إيجابي، وتحفيز الخيال عبر جمل ستتشكل في دماغ القارئ كصور حيّة في النهاية لا ككلمات، ولطالما قال الناس: الرواية أجمل من الفيلم، لأنّهم يترجمون كلمات الكتب كلاً بشكل مختلف وأجمل وأكثر ابتكاراً، ويشاركون كاتب الموضوع في بناء المعنى وتكوينه.

ومن المؤكد ان اغلاق الكتاب وفتح شاشات الإنترنت على الفيسبوك واخواته تفقد ثقافتنا وحضارتنا الشيء الكثير، ونفقد أيضا على المستوى الشخصي ما لا يُمكن تعويضه. فمواقع التواصل بصفحاتها اللانهائية التي تغرينا بالاستمرار بالتقليب فيها تُصبح ثُقبا أسود يبتلع الساعات والأيام، ولا تمدنا بما يُساوي الوقت الذي نُضيعه عليها، فيما صُحبة كتاب جيد تجعل الوقت يمر أبطأ، وتفتح أفقا آخر بعيدا عن هنا والآن يجذبنا إليه و(نذوب) فيه. وحتى عندما نغلق الكتاب ونعود لتفاصيل الحياة، نبقى نحمل في داخلنا ذكريات وتجارب من عوالم أخرى بعيدة طافت فيها أرواحنا، وعشنا فيها زخما من حيوات موازية ننتمي لبعضها أكثر مما ننتمي لواقعنا المُعاش، وتجعلنا نتفق مع ما تنبأ به برادبوري في "فهرنهايت 451"، من أن الإنسانية ستفقد مرآتها العاكسة التي ترى من خلالها كل ما بها من عيوب وخطايا، ولن يبقى حينها سوى صور "سيلفي" برّاقة تُظهر كل قُبح جميل.

وهناك خطر آخر يهدد الكتاب يتمثل بالذكاء الاصطناعي، وهو تقنية تحاكي الذكاء البشري نجح في التشكيل والاعلام الى حد ما، الا انه لا يمكنه ان يبدع في نظم قصيدة تقترب من قصيدة للمتنبي، الجواهري، نازك، السياب.. ولا يمكن ان يكتب رواية تقترب من اضعف رواية لنجيب محفوظ، لأنه يفتقر الى الحساسية في التعبير عن المشاعر والتفاعل الإنساني مع الاحداث بشكل مباشر، كما يفتقد الى البصمة البشرية بكل ما تملكه من حيوية.

ورغم ان الشعب العراقي تعرض الى ما لم يتعرض له اي شعب في العالم المعاصر من كوارث وفواجع وفقدان احبة خلال الثلاثة والاربعين سنة الماضية، فانه يشهد في كل عام اقامة معارض (تتصدرها مؤسسة المدى باقامة معرضين كل سنة) يتنافس فيها اصحاب دور النشر الذين يشكون الآن من ارتفاع اسعار الورق، وفي ذلك خطر يهدد الكتاب والكاتب والقارئ، ونتمنى على لجنة المعرض عقد ندوة لمعالجتها.

أعلى