لماذا نقرأ الأدب؟

لماذا نقرأ الأدب؟

  • 25
  • 2024/02/20 09:53:25 م
  • 0

حيدر المحسن

- 6 -

الفنّانون جميعا في الهوى سوى، يذكر زياد الرحباني عن طفولته أنّ بيتهم كان عبارة عن مشغل للكتابة والتلحين والغناء في كلّ وقت. أبوه يكتب الشّعر وعمّه يوزّعه في ألحان، أو بالعكس، أو أنّ الاثنين يكتبان ويلحّنان في الوقت نفسه، وأمّه فيروز تؤدّي دائما.

وفي أحد الأعياد قامت العائلة بسفرة استجمام إلى البحر والجبل، يقول زياد: "وهناك لم يختلف الأمر علينا. القصائد كانت تُطبخ على مهل مع أسياخ الشّواء على النّار، والتلحين على العود يتمّ في الحال، والمغنّي لا يملّ أو يتعب". هو البحث عن الدّهشة واكتشاف الوجود، وهذه حال لا تُدرك إلا بقلّة الرضا عن النّفس، وترك الهوينى والتكاسل والبلادة. رأى أحدهم دافنشي وهو في سنّ التاسعة والثمانين خارجا من بيته متوجّها إلى مشغله، وكان الثلج يهطل والرياح شديدة. سأله: "إلى أين يقصد الشّيخ في العاصفة؟". أجابه: "إنما يذهب التلميذ في الصباح الباكر إلى المدرسة".

اليوم الذي نتوقف فيه عن التعلّم، تنشر الشّيخوخة معطفها الأسود الثخين على سمائنا، نرتديه ونتأهب للارتحال عبر الطريق الأخير.

*

حدّثني محمود عبد الوهاب: لو انقطعتُ عن القراءة مدّة أسبوع، ما استطعتُ الخروج إلى الشارع والكلام مع الناس. لبيان أثر القراءة فينا دعوني أتكلّم بالمكشوف:

كان الربيع هنا، ولم أكن في صداه. نحن نقرأ الأدب لأنّه يعلّمنا العصيان والتمرّد والغضب على النفس، ودائما على النفس، لأنّها يجب أن تكون مصنوعة من الحديد الصُّلب المقاوم للتلف بأيّ نوع من العاطفة. قال أحد العرب، وهو عمرو بن عبيد: "لقد رِضتُ نفسي رياضةً لو أردتُها على ترك الماء لتركتْه". نقرأ الأدب كي نذلّ أرواحنا ونعانقها في الوقت نفسه، ونجلّها. نقرأ الأدب لأن الكتفَ التي تُدمى من أثر السياط صارت جناحا، والشفاه ترغي وتزبد والأسنان تصرّ، والقلبُ يكاد ينخلعُ من مكانه. نقرأ الأدب كي ننثر على كلّ هذا رماد النسيان، وتصير بعدها الذراعان جناحان حقيقيّان، ولا مكان للاستعارة هنا. يُحبّ قلبُ الطائر الذي كابد العذاب على النحو الذي يرتضيه. لا إكراه في الحُبّ والدّين، وفي أمل الانتقال إلى أمام، وهذا الأمر ما يزال يتكرّر مع الذين يقرأون الأدب.

نحن نقرأ الأدب كي نتشبّث بالأحلام التي تهرب مع الفجر، ونجمعها في سلّة تشبه سلّة الزهر. أحلام تلو أحلام، لئلا نوقظ هذا العالم الذي ينهار، لكنه يتوقف عن ذلك بواسطة الأدب. في الماضي كانوا يفتّشون عن الإبرة في كومة قِشّ. نحن نبحث الآن عن قشّةٍ في تلٍّ من الإبَر، ونكتشف مكانها بسهولة بواسطة الأدب..

أعلى